إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الاثنين، 7 أكتوبر 2019

قراءة كتاب من حديث النفس لعلي الطنطاوي

قراءة كتاب من حديث النفس لعلي الطنطاوي 


الكتاب: من حديث النفس
الكاتب : الشيخ علي الطنطاوي
دار المنارة للنشر والتوزيع
قراءة وتلخيص:صالح الفارسي

مقدمة الكتاب
على الطنطاوي
قال الكاتب في مقدمته أن مواضيع هذا الكتاب ليست كلها لعلي الطنطاوي، بل هي لمجموعة كاتبين وقد نشرت مواضيعهم في الكتاب، 

ثم عرج الكاتب في مقدمته لمسألة استبدال الرأي بالرأي والفكرة بالفكر والنظرة بالنظرة في العام الواحد للإنسان الواحد. فكل إنسان معرض لتقلبات الرأي والفكر والنظرة حسب تقلبات الأوضاع والحقائق والمعارف. لكن في المقابل هنالك أراء وأفكار لا يمكن أن تتبدل مهما تبدل كل شيء وستبقى ثابتة حتى الأبد. وقد أكد على ما قاله حينما كان يكتب أيام استعمار الفرنسيين لبلاده، كانت له أراء قوية ومضادة لهم وهي الواجب في الدفاع عن الوطن والذود عن حياضه وممتلكاته ومقدساته.

 أنا
نشرت في 1937 م


-قال لي أهلي لقد جئت إلى هذه الدنيا عاريا بل أسنان ولا تحسن النطق ولا تعرف شيئاً....
يستغرب وهو في سن كبيرة، لأنه يجد نفسه بغير ما وصفوه فهو ذو أسنان وساتر الجسد وينطق ويأكل ويشرف ويعمل كل ما يعملوه ويتصف بكل ما يتصفون. إلا أنه يختلف عنهم في بعض الصفات الأخرى كالحب والكره وما يشبهها من أشياء حتمية الإختلاف بني البشر. 
 فكل ما ذكروه ربما لم يكد يرى نفسه به أبدا، فهو فقط يعرف نفسه وهو مكتمل الأشياء الجسدية كالأسنان، الكلام الأكل وغيرها من الحاجات الإنسانية الضرورية، فهو يذكر نفسه وهو ابن الرابعة، فهو يعتقد أنه ولد طفلا في الرابعة من عمره وليس وليدا رضيعا. 

-فهو كثير ما يخيل إليه ذاك الطفل الذي يخبره عن طفولته، يراه في المرأة وفي الأشياء الخاطرة، ويسمع صوته، ويراه في قصص طفولته التي ترويها أمه له، مستغربا هل أنا المعمر ذاك الطفل الذي يحدثوني عنه كثيرا! ؟

-عرج الكاتب في هذا الموضوع إلى أحداث طفولته مبتدئا منذ الصغر ويمضي تباعا ذاكرا أحداث عمره الأول فالأخر ومقارنا بين الماضي والحاضر بإسلوب أدبي جميل. 

-ثم عرج إلى ذكر إيام المدرسة كونه تلميذا مجتهذا نجيبا، فكان يقضي جل وقته في المذاكرة والجد والإجتهاد مضحيا بوقت الطفولة ومتعتها مثابرا ليجد ويجتهد، حتى ينال مبتغاه من النجاح و التفوق، غائصا في بحار العلوم والأداب مقتطفا من بساتينها ثمارا ناضجة، ومتعمقا في بحار كلها خير. 
فنجح نجاحا ثم قالوا لهم مهلا مهلا مهلا، قال ماذا؟ 
قالوا لها لابد لك من شهادة عالية لأن المستقبل لا يضمن إلا بشهادة عالية! 
قال ويحكم وهل يبنى المستقبل على الورق!؟ 

فانطلق يلعن ذاك المستقبل الذي أضاع طفولته، وشغله عنها ليترك كل ملذات الطفولة ومتعتها حتى يبني مستقبله المجهول، والذي لا يعلم إن كان سيقطف ثماره أم لا، لأنه كأنه يمشي في جسر يقطع العتمة التي تفقد البصر فيبدو كل شيء مجهولا وغير معلوم البتة. 

خضع هو لأمر المستقبل خوفا منه ومن التشرد في صحاريه القاحلة وفضاءآته المشمسة فطفق يدرس الحقوق والآداب ويناطح ويناضل حتى نال شهادة الليسانس. 

فنزل بعده إلى الحياة مفلسا جيبه خاو لا مال لديه، وفي هذا العصر أن من لا مال له كساع في البيداء بغير سلاح، وأن من أمتلك كل العلوم ولم يمتلك فلسا، لا يستطيع أن يعيش عيشة هنية لأن سيترك العقل والعلم بحثا عن لقمة عيشه. وأنا من يملك مالا قد لا يحتاج إلى العلم فهو يستطيع أن يعيش ويشبع وينام بدونه. 

فجلس يندب حظه وبيده الشهادة العليا التي نالها، ينظر بعين الحرقة للمستقبل المجهول الذي ينتظره، هو لا يعلم هذا المستقبل، أهو بعد شهر، بعد سنة بعد عشرة أعوام أم أنه في أخر العمر!؟ 
يمني نفسه بمستقبل لا يعلمه ولا أحد يعلمه، والجميع يلقنونه، فلتنظر للمستقبل وهم أيضا لا يعرفون أين مستقبله أو متى سيحين. 



أنا والنجوم

أراد الكاتب هنا يتكلم بلسان الأنا واتخذ الأنا مثلا وعينة يكتب عنها لكنه يقصد الناس جميعا أو ثلة من البشر، أو فئة ما، أو طائفة، لكنه لا يتحدث عنه نفسه فقط بل أنه يشير إلى مجموعة أيا كانا عددها، لأن البشر يشتركون في كثير من الأشياء ويختلفون في قليل. 

قد يتوحد المرء وينطوي لنفسه فلا يرى بشرا ولا يسمع لهم حسيسا، فيعتلي مقام مكوثه ليرى العالم من أوسع درجاته، ليطلق العنان لبصره حتى لا يرى إلى ما لا نهاية. ويطلق العنان لفكره حتى يسافر لأبعد الأمكنة وأقدم الأزمنة فعيش حياة أخرى التي يعيشها، وفي أرض أخرى غير التي يمكث فيها، فتتورد الأفكار تباعا والكلمات تنهمر أمطارا فلا يمسك منها إلا القليل القليل حتى إذا أمسك محبرته وأراد تدوين ما دار في خلده لن يجد إلا القليل القليل، فيكتب بعضا من الكثير المثير ويهرب عنه الأكثر. 

ثم ينظر للسماء فوقه فيحتضن بصره النجوم والكواكب وكل الأجرام السماوية ، ليشعر أنه لاشيء أمام كل هذه الأجرام، وانه قزم صغير جدا لا يوجد ما يجعله يقارن نففسه بها. ثم تصغر هذه الكواكب حينما حدق في السماء فرأها أعظم ما يرى لتبدو هذه الأجرام أقزاما أمام السماء اللي منتهية، والتي لا تحدها حدود، وليس لها بدايات ولا نهايات. 

ثم يعرج إلى الجنة التي عرضها كعرض السماوات والأرض لتبدو هي الأكبر من سابقيها. وهكذا رجع لينظر إلى الأصغر فالأصغر مبتعدا عن السماء وأجرامها، ليصل إلى الذرة ومكوناتها. كان يرى مرتفعا إلى الأكبر ثم الأكبر حتى هاله منظر الجنة، ثم إلى الأصغر فالأصغر حتى هاله منظر الذرة ومكوناتها فانبثق نور من قلبه ممتلأ إيمانا بالله الخالق العظيم. 

فنسي نفسه الصغيرة، التي استصغرها وتذكر أهل الصوفية حينما ينسون أنفسهم وهم يهيمون حبا وتعظيما وخشوعا. 



جواب على كتاب

كعادة الكاتب أن يصله البريد من متابعيه ومريديه، الذين سحروا بأدبه الراقي وإسلوبه الجميل، ولكنه لم يجدها سوي رسائل عادية، إلا رسالة أم لولدين فكانت رسالة شكوى وتعبير عن ألم وأمنية زوال ضيق. 
تقول الأم في رسالتها ( سمعت بعيد الأم ولكنها لم تره وعرفت شقاء الأم بالولد ولكنها لم تعرف بر الولد بالوالدة وهي لا تشكو عقوق ولديها فهما صغيران ما بلغا سن العقوق ولكنها تشكو ضيق ذات اليد وفقد المسعد والمعين، وأنها تصبر النفس حينا ويتصرم أحيانا صبرها، وتسألني أتطلق الولدين من أسر المدرسة وتبعث بهما يتكسبان دريهمات تعينهما على العيش؟ وتسأل ماذا تجني منهما إن درسا وهي لا تملك ثمن كساء المدرسة ولا نفقاتها؟ فكيف يستطيعان أن يكملا الدرس ويتما التحصيل وهما بالثوب البالي والجيب الخالي) 
فتلك اللحظة هي اللحظة التي تمنى الكاتب أن يكون غنيا ليعطي تلك الأم من مال الله الذي يؤتيه الناس، لكنه لا يملك سوى قلمه وقلبه. 


فكان عليه أن يرد على الأم المهمومة برد يقتل همها ويبعد ألمها ويمطر على قلبها بردا وسلاما، فهذه هي مهمته ككاتب فهو ليس أي كاتب. 

كان الرد عليها بقصة رجل ميسور ذا مال وغنى كان يفتح باب بيته مفتوحة وموئده ممدودة للقريب والغريب للضيف ولطالب العلم. فعندما مات الرجل ذهبت تركته لإفاء الديون كلها فلم يبق لورثته شيء، فتركوا كل شيء حتى الدار التي تربوا فيها وسكنوا في مساكن الفقراء ويأكلون من صحونهم، فلم يعرفهم الذين كانوا لا يفارقون بيت ابيهم، والذين كانوا يتنعمون من ماله. ربّبتهم أمهم فأحسنت تربيتهم، سهرت الليالي وصارعت المصائب وكانت تدفعهم للنجاح دفعا عظيما. فكانوا يذهبون للتعلم يمرون من طريق الموت كما سماه الكاتب لأن سورية في تلك الفترة كانت تحت الاستعمار وكانت تلك الفترة فترة الثورة فكانت الحرب طاحنة ونارها مسعّرة حارقة لا تبقي ولاتذر، لا تبقي صغيرا ولا كبير، لا رجل ولا امرأة. 
فقد تعلم الأبناء الأربعة حتى صاروا الي ما صاروا إليه من النجاح والنبوغ، فأكبرهم هو الكاتب نفسه والثاني قاضيا والثالث أستاذا في الجامعة وهو أول من حمل لقب دكتور في الرياضيات في سورية والرابع مدرسا وداعية وأديبا. 
فقد قصّ الكاتب القصة لهذه الأم تسلية لها وتهوينا عليها، حتى لا تسمح لنفسها بأن تدفع أولادها للعمل وترك العلم، فهي بذلك تقتل هممهم وتكسر مستقبلهم، فلن يكونوا سوي عمّال بسطاء وهم يستطيعون أن يصبحوا عظماء، لأن كثير من الناجحين تصنعهم المحن وتصقلهم المصائب. 

فنصحها بأن لا يخجل الابن إن لم يجد الثوب الأنيق وعليه أن يرضى بقسمه من الدنيا كونه فقيرا وعليه أن يبذل كل الجهد ليصبح ذا مال بالحلال وأن يتعلم ويعمل ويقاتل الفقر والجوع. 


فهو يقول أن في كل محلة أمهات مثل التي أرسلت له تعاني الفقر وألم الحاجة، وتقضي كل ليلة تفكر في ماذا تفعل بابنائها وكيف ترشدهم وكيف توفر لهم احتياجات الحياة، سواء في غياب آبائهم أو وجودهم الذي مثل عدمه. وأن في أسر الفقراء الكثير من النابغين لكن حالهم منع من تقدمهم في الحياة وإظهار مواهبهم وتنميتها لأن المجتمع المحيط لم يكون عونا لهم بل كان عونا عليهم. فتتبعوا الحاجة وسلكوا طريق الإجرام، ليصبح النابغون قابعين بين قضبان السجون دفعهم لهذا الحاجة الملحّة واللقمة المفقودة. 
فإن ما ينفقه أثرياء المجتمع في ترفيه ابناءهم يكفي لإطعام عائلات فقيرة وتعليمها وصقل مواهبها، وإبعاد أبنائها عن السجون والمجون والدروب المنحرفة الضالة المضللة. 
فعلى الأثرياء أن يزكوا ويتصدقوا ويؤتوا الفقراء من مال الله الذي آتاهم، فكل الأموال التي ينفقونها في الترف الزائد عن الحاجة يكفي لبناء المدارس والمستشفيات ومأوي الأيتام، وإطعام الفقراء. 



من دموع القلب

استهل الكاتب مقاله بذكرى تجمعه وصديقه أنور العطار، حينما كانا يزوران قبريّ والديهما ثم يعودان لحضنيّ أمهما متأمليَن أن يعيشا معهما إلى الأبد، بعد عمر ما ماتتا وبقيا بلا أمّ تحضنهما، آمالهما ليست إلا أحلاما من ضرب المستحيل. 

ثم عرّج في ذكر مخالفات الحياة وقواعدها لنا يعيش الإنسان من واقع مرير في موقف يجعل الإنساني أكثر مرارة وغضاضة من غيره، لأنه قرأ في الكتب أن يسلك الدرب المستقيم سيبلغ غايته ومناه فلم ير إلا الإلتواءآت لمن صدق ما قرأ. 
وقالت الكتب كن فاضلا ذا أخلاق كريمة فهي السبيل، فوجد أهل الرذيلة هم المتسيدون وسيء الخلق مرفوعا. 
وقالت الكتب الحق هم السيد، فرأى أن القوة هي السيد. 

فهناك تزاحم بين كلا الطرفين كل منهما يود أن يصل إلى مبتغاه وبسرعة مزاحما الجميع بلا رحمة ولا عطف. 

إن شغف الإنسان بالحياة وملذاتها قد ينسيه كل ثمين وغالي قد ذهب ورحل ولم يعد، لأن كل يوم بالحياة يصادف الإنسان ملذات تنسيه ما ذهب عنه ورحل حتى نفسه الأخير، إلا اللهم من عشق وأحب شيئا ثمينا وغاليا لن ينسيه شيء حبه وعشقه له. 
فعرّج الكاتب في وصف حبه لأمه وفقده لها وأن كل شيء في الحياة لن ينسيه حبه لأمه وشوقه لها فهي الحضن الدافيء الذي لن يتكرر والمملكة العظيمة التي لن يجد مثلها والوطن الأمن الذين لم يأمن لغيره مهما ملأت الأوطان كل ملذات الحياة. 



 في الكتّاب


والقلم قد يجمح بيد الكاتب أحيانا كما يجمح الفرس بالفارس، فيمشي حيث يريد هو لا حيث يريد صاحبه. 
هنا في مقدمة الموضوع ذكر الكاتب هذه المقولة الجميلة فهي الحال التي يتعرض لها معظم الكتّاب والشعراء معا. 


عرّج الكاتب في هذا الموضوع مسافرا إلى ذكرياته القديمة حينما كان طفلا أو تلميذا فعاد إلى المدرسة وكيف كان التلميذ يخافها ولا يحبها ويتمنى في كل مرة يذهب إليها أن تكون مغلقة أو أن تحول بينهما الظروف دون الحضور. فهذه هي حالنا جميعا حينما نعوذ بالذاكرة للزمن الغابر يوم يرسلوننا للمدرسة. فكنّا نفرح كثيرا يوم الخميس والجمعة كما يفرح الكاتب هو الأخر. 
فكان تجمع الطلاب في الكتاتيب مثلا، يكون تجمعا كبيرا ليضيق المكان بهم ويضيق التنفس حينما يكونون داخل غرفة مغلقة، لتنشر رائحة سيئة في الأمكنة. 
فيقعدون للدرس من الصباح للمساء، وكل قد أتى بطعامه وشرابه معه، فحينما يجوعون أو يعطشون يأكلون ويشربون. ولكل منهم نصيب من عصى المعلم الطويلة، لابد وأن تجلد ظهر أحدهم. 
ومن المناظر المألوفة التي لن تمحيها الأيام من الذاكرة رؤية أحد الطلاب يجره أهله إلى المدرسة جرا وهو يتمسك بكل شيء محاولا أن لا يذهب ومتمرغا بالتراب والوحل، ولكن مصيره أن يؤتى به إلى المدرسة إما راضيا أو باكيا،فهو يساق إليها كما يساق مجرم إلى قضبان المحكمة، فكيف يا ترى تأثير ذلك على الطالب؟ 


ثم أخذ يقارن وضع الطالب والمدرسة بين اليوم والأمس، فكان الطالب يعاني معاناة كبيرة فكان ينقصه الكثير وتعرقله الظروف، وتثقل عليه المثقلات، أما اليوم فالطالب يذهب بأبهى حلة، وحقيبة جميلة في ظهره مليئة بالكتب والدفاتر الجميلة المرتبة، ولابد من وجود صندوقا مليئا بالطعام في حقيبته. يذهب إلى المدرسة وقد لبس أنظف الثياب وأفضلها، فيتبع بقبلة حب ورضى ثم يؤخذ من باب بيتهم بحافلة لتوصله باب المدرسة، ليدخلها من بوابة مليئة بالورد والأطيار تغني مزقرقة ومغردة، والأرض من تحته مرصوفة بأجمل أنواع الرصف وربما قد تكون مفروشة، فيدخل الفصل الجميل المرتب المكيف ويقعد في مقعد يخصه وبطاولته لا يشاركه فيه أحد. والطلاب الصغار تعلمهم معلمات ملأن حبا وحنانا وعطفا، فكيف لا يود طفل اليوم أن يذهب إلى المدرسة!!؟ 

أما طالب الأمس فكل ما ذكرناه لا يعرف عنه شيئا وحقيقة وضعه هي ضد اليوم بكل التفاصيل. 
فلا عجب أن ترى طفل اليوم يبكي شوقا للذهاب إلى المدرسة، وطفل الأمس يبكي خوفا منها، لأن شتّان بين الأثنين، الأول وجد متعة الحياة هناك والثاني وجد صعوبتها السيئة. 

لكن كل هذا الفارق الكبير بين طالب اليوم والنعمة التي يعيشها وطالب الأمس والحرمان الذي لاقاه. طالب الأنس نشأ على حب الأسرة واحترامها واحترام المدرسة والمعلم واحترام الكبار والصغار. لكن جيل اليوم من الطلاب كثير منهم قد فقدوا الإحترام والحب، فبعضهم لا يعطي الأب مكانته وتقديره والمعلم أيضا وحتى الكبار في مجتمعه، لأسباب كثيرة. 



-مشروع مقال

يقول الكاتب أنه إذا أحلّ العيد أغلق على نفسه الباب ليكون وحيدا حتى ينصرف إلى القراءة والكتابة، ثم يقضي باقي وقته مستأنسا مع أهله. وأنه قد وعد صديقا له بكتابة موضوع، ليتفرغ له أيام العيد حتى يبدع فيه ويصب فيه كل علمه ومعرفته وأدبه. 
لكن ما أن أمسك القلم حتى جمح القلم ولم يكتب حرفا فيما أراد أن يكتب وهو الذي روض القلم ترويضا عظيما، فحينما يريد أن يكتب فقط يحط القلم على الورق ليخط الحروف والكلمات بلا توقف. لكنه هذه المرة خانه التعبير والقلم معا.. 
خرج الكاتب من مكانه وذهب ليلهو ويفتش في الأشياء عله يجد شيئا يكتب فيه. فوجدت أخاه وتكلم معه عن موضوع التعليم فاستمع له حتى ذكر دروس الكيمياء والحكمة، وأراد هنا بالحكمة الفيزياء، فكانرا يطلقون كلمة الحكمة على الفيزياء. 
ثم أراد أن يوضح نقطة مهمة وهي كيف أن طالب العلم ينسى ما تعلمه في المدرسة بعد تخرجه وانخراطه في سوق العمل الا اللهم المادة التي ستكون تخصصه وسيعمل بها وعليها. 
وهنا أبدى الكاتب رأيه فيماذا يجب على الطالب أن يتعلم في المدرسة أولا. 


-قصة معلم

استنكر الكاتب صديقا له معلما كاتب وأديبا في اسلوبه الكتابي الذي بدأ بالإنحدار شيئآ فشيئا، فكان الجواب :دعني يا فلان فإن سراج حياتي يخبو وشمعتي تذوب وما إخالني الا ميتا عما قريب أو دائرا في الأسواق مجنونا. 

فكان هذا الصديق معلما في مدرسة ابتدائية فصار نهاره نهار المجانين وليله ليل القتلى، يعود لبيته منتهيا و فلا ينام حتى يقرأ ما خطه طلابه في كراريسهم من حماقات حسب ادعائه ليزداد الما مع المه وهما مع همه. ثم بعد ذلك يلتقيه دفتر تحضير الدروس وسماه بالموت الأحمر والبلاء الأزرق. لينام بعدها نوم الخائفين المذعورين الهالكين.
هنا وصف لنا الكاتب حياة المعلم وما تلاقيه من مآسي وألام وصعاب ومطبات كثيرة، وخصوصا معلم المدارس الإبتدائية لأنه يعلم الأطفال الذين يستصعب عليه افهامهم وتلقينهم بالطريقة المناسبة ناهيك عن طريقة حضورهم وانصرافهم وسلوكهم المتذبذب الذي يجعل المعلم يفقد أعصابه وصبره وطاقته وعقله كله. فلا لوم ولا حرج إن رأينا المعلم مجنونا بعدما علمنا مأساته.
فهذه المأساة كانت السبب وراء إنحدار اسلوبه الكتابي وضعفه.



عيدي الذي فقدته

هنا في هذا الموضوع أناخ الكاتب مطاياه وحط رحله، في عرصات العيد ليتنفس هواءه ويدوس على أرضه متجملا بأزياءه ومتعطرا بروائحه. واصفا وذاكرا كل أحداثه ومزاياه وأحداثه. 
يقول وذهبنا نبصر العيد ومشينا في الطرقات وإذا الوجوه باسمات الثغور منبسطات السمات فكأن أصحابها قد لبسوا مع الثياب البراقة الزاهية حلة من اللطف. 
فحينما حل العيد نزلت البسمات وذهب الضيق والعبوس من وجوههم، حتى الأطفال قوبلوا اللطف بعدما كانوا يلاقون الكثير من التوبيخ. فيتلقون فوق الإبتسامة واللطف قطع نقدية تزيدهم فرحا وأنسة وسعادة وتشعرهم بلذة العيد وطعمه، ليشعر الطفل أو ليعيش حياة الأثرياء بالقطع المعدودة التي حصل عليها وهي التي لا تساوي شيئا مقارنة مع الأثرياء. 

ليعرج المعيدون نحو الجامع ليصلوا صلاة العيد، لكن هذه الصلاة أشعرته بما لم يشعر من قبل، وصوت النشيد الذي يعلو الفضاء منتشرا فيه الذي تردده أفواه المعيدون الذين أظهروا الإسلام في عيدهم عيد الإسلام، أيقن الكاتب أن بهذا النشيد تردد صدى قوتهم أبان الفتوحات لتتداعي أمامهم الحصون وتتساقط الأسوار وتنفتح لهم الأبواب حتى فتحوا الدنيا. 
دخل الجامع ليرى كل المسلمين اجتمعوا هناك في ثياب جديدة نظيفة تساوي الفقير بالغتي والعبد بالحر وبلغت كثرتهم عظم المسجد لتخلق العزة والقوة والفخر بالعدد. 
ثم عرّج الكاتب بعيد طفولته الجميلة إلى موطن تجمع الأطفال بأزيائهم الجميلة البراقة التي بها استشعروا العيد وذاقوا ألذّ مذاقه، وركبوا عرباته المزينة المزركشة، وقفزوا كنا تقفز الارائم وترفرف الفراشات ويغنوا كما تغني الأطيار مزقزقة فرحين بالعيد الذين قد صبغوا صبغته الجميلة الساحرة. 

ثم دار الزمان وأراد الكاتب أن يعيش العيد الذي عاشه أبان طفولته بعد سنوات عدة فلم يجد اليوم ما عاشه أفي الأمس وتغيرت الطفولة، وتبدلت الأطيار وتوقفت الفراشات ولم يعد للعيد الطعم الذي عهده، ولا اللون الذي كان يعرفه، فقد تغير كل شيء حتى الأزياء الساحرة لم تعد ساحرة كما كانت. 
فيا ترى قد تغير العيد أم تغيرت الدنيا؟ 




الوحدة

(ما آلمني شيء في الحياة ما آلمتني الوحدة. كنت أشعر - كلما انفردت - بفراغ هائل في نفسي ، وأحس بأنها غريبة عني ثقيلة علي لا أطيق الانفراد بها ، فإذا انفردت بها أحسست أن بيني وبين الحياة صحارى قاحلة وبيداً ما لها من آخر ، بل كنت أرى العالم في كثير من الأحيان وحشاً فاغراً فاه لابتلاعي ، فأحاول الفرار ، ولكن أين المفر من نفسي التي بين جنبي ودنياي التي أعيش فيها ؟) 

الوحدة مصدر ألم النفوس والأجساد وهي بيئة خصبة لنمو هواجس وكوابيس وأفكار سيئة قادرة على تحطيم الإنسان أيما تحطيم.
أمن الكاتب بعظم سيئاتها فلجأ إلى قتل الوحدة باستغلال وقت فراغه في لقاء صحبه، وقراءة كتبه وعمل الأعمال الحيوية التي هي ضرورية في حياته. 




-أنا والقلم

بعدما توقف الكاتب عن النشر في مجلة الرسالة، جاءته رسائل عدة ومن جهات مختلفة، تسأله عن سبب توقفه عن النشر فيها فكان جوابه لهم في موضوع أنا والقلم الذي نشر سنة 1940.

ففي مقدمة الموضوع ذكر سبب تخلفه عن النشر بأن قريحته جفت فلم تمطر قطرة وذهنه كلّ ومات خياله، فلم يعد له في مضمار الأدب سبق.
فيتساءل عن نفسه وكأنه لا يدري ماذا حل به وهو الأديب الأريب وصاحب القلم الذي لا تستصعبه الكتابة ولا وقد حرز بأن يكون الزواج سببا لعزوفه أم بعض الألام والرزايا التي قد تحول بين الكاتب وقلمه.

الأربعاء، 11 سبتمبر 2019

الطالب الجديد والواجب المنزلي



الرابط الذي يربط المدرسة بالبيت بالنسبة للطالب يجب أن يكون متناسبا ومتكاملا حتى تتم العملية التعليمية على أكمل وجه وبأفضل ما يكون، دون عثرات وحواجز تعيق استمراريتها ونجاحها أو بالأحرى حتى لا تكون هنالك بيئة خصبة تنمو فيها المنغصات والهفوات التي يسقط عليها الطالب وينحدر تعليميا. فالمدرسة المهد التعليمي للطالب والبيت هو المكان الذي يستعد الطالب فيه نفسيا وجسديا وعقليا ليبدأ يومه التعليمي التالي بنشاط وحيوية تمكناه من الاستفادة مما يتعلمه كل يوم.

حينما يبدأ الطالب بالصف الأول مشواره التعليمي قد يكون خرج من مرحلة مليئة باللعب واللهو والمرح، خرج من مرحلة لم تثقل كاهله فيها المسؤلية أو الواجبات. فكان يتقفز مثل الفراشة حرا في كل لحظاته كيفما يريد وأينما يشاء، مستمتعا بالحياة وكل ملذات الطفولة التي لا تحدها حدود ولا تعكرها معكرات، لكنها حياة لا تشوبها الشوائب. فحينما يفتتح يومه المدرسي كطالب عالم، يتوقع هو أن الحياة في المدرسة لن تكون سيئة ومملة ولا منغصة، بل كان يحلم بها حياة جميلة ممتعة وهذا يتضح في إلحاحه ليكون طالبا قبل موعده التعليمي. لكن المفاجأة قد تقصم ظهره وتعكر مزاجه وستحطم رياحها أشرعة قواربه فلن يحبذ الإبحار في بحور العلم بنفس الحيوية التي كانت تفيض من روحه قبل الإنضمام للمدرسة.
قد يعود الطالب من المدرسة ويجر معه التعب والإرهاق من يوم تعليمي لم يتعوده ولم يألفه البتة. قد كان حرا طليقا في بيته طفلا لا تثقله الأنظمة التعليمية المفزعة والتي لا تحمل سوى عصى وبندقية. ويحمل معه في حقيبته الثقيلة التي حتما ستكسر ظهره ما تبقى من تعب وإرهاق وألم، عددا من الكتب وحملا ثقيلا من الواجبات. يقضي جل يومه يتناوب عليه المعلمون منذ الشروق وحتى الظهيرة، كل منهم يرميه بنبال الواجبات والمتطلبات وكأنه في ميدان عسكري يتجهز للحرب التي لا عودة بعدها.
يصل الطالب البيت ويقضي الساعات فقط في حل الواجبات الكثيرة فينصدم نفسيا وجسديا وعقليا، فتولد في ذاته منذ اليوم الأول في المدرسة أن المدرسة سجن لا يطاق، وميدان عمل يقصم الظهر، وجرعة مرة كالعلقم، ولقمة تنغص الحياة. فيحاول الهروب من الواجبات بأي شكل وبأي طريقة، فيخفي على أمه الواجبات المعطاه، فاحيانا لايذكر إلا بعضا منها، فيقضيان على الأقل ساعتين أو ثلاث في إتمام الواجب، الطالب نفسه لا يفقهه ولا يعرفه أبدا. كيف يمكن أن يعطى واجبا وهو لم يتقنه في المدرسة ولم يفقهه ولم يلقنه المعلم كما يجب حتى يجيده هو. فنجده يميل إلى العزوف عن المدرسة فيخرج لنا جيلا لا يحب المدرسة، فيضعف نتاج التعليم ويكثر الذين لم يتموا تعليمهم. 

حينما يدخل الطالب المدرسة في بداية عمره متنقلا من مرحلة عمرية مليئة بالمرح والحرية بعيدا عن الواجبات والمسؤوليات، يجب أن تكون المرحلة الدراسية الأولى مرحلة بسيطة، فيها يكثر التناسب والتقارب الجميل ما بين المرحلتين قبل وبعد، حتى لا ينصدم نفسيا وجسديا وعقليا، كما هو الحال في مدارسنا. وعلى المعلم أن يكون ذا قدرة على تكييف الجو وتبسيط الوضع، وأن يخلق بيئة تجعل الطالب يحب المدرسة لا يكرهها أبدا. قد يظن البعض أننا نكتب ضد المعلم كرها فيه وانتقاصا من حقه، لكن المشكلة الحاصلة تجعلنا نبديء أراؤنا ونقول ماذا يحدث لأبنائنا حتى نستطيع أن نحل المشكلة معا. فليس مقبولا أن يرجع الطالب من المدرسة محملا بثقل يكسر ظهره، ثم يتبعه بواجب مدرسي لم يتعود عليه يقيده ساعات وهو الذي كان يتقفز حرا في طفولته ما قبل المدرسة. على المعلم أن يجعل اليوم المدرسي أكثر سهولة لتكون المدرسة ميدان العمل، والبيت ميدان التجهيز والتحضير للمدرسة جسديا ونفسيا، وليس ميدان إكمال الثقل والشغل الذي لم يكمل في المدرسة. 


الأحد، 30 يونيو 2019

في ضيافة الشيخ أيمن بن أحمد الحوسني

في ضيافة الشيخ أيمن بن أحمد الحوسني

ليلة السبت 29 من يونيو 2019
ليلة إجتماعنا في ضيافة الشيخ أيمن الحوسني، من أروع الليالي وأجملها لما حملته من عظيم البهجة والسرور، فهي ليلة يحق لها أن تسطر بأحرف ثمينة، ونصوص شاعرية ساحرة تليق بمقامها ومقام الشيخ نفسه والجماعة الحاضرة. ليلة نثر الورد في فضاءآتها عطرا زاكيا، ورفرف فيها النسيم عليلا، وأمطرت السماء أفراحها، وأينع كل الشجر ثمارا لا تضاهيها ثمار، مسبوقة بأزهار مفتحة معطره.
في قدومنا هللت الوجوه فرحا واتسعت الصدور رحابة وإنشراحا، وتغنت الشفاه بأجمل الشعر وأعذبه، لتصدح أطيار المزرعة زقزقة وتغريدا، وكأنها سيمفونية أعدت لتغني لضيوف الشيخ أيمن. رحّب بنا أجمل ترحيب، واستضافنا أعظم استضافة وفرش الأرض لمجيئنا وردا وزهرا وياسيمنا وفلا. رحّب بنا ترحيب الشيخ القادر الواسع صدرا والراجح عقلا غير ممسك ولا قابض. استقبلنا بحفاوة الاستقبال رجل كريم شهم مقدام، واستضافنا بجميل الإستضافة، استضافة تملأها مكارم لا تعد، وخصال لا تحصى كلها حميدة ورثها أب عن جد، ولم يتنازل عنها الشيخ بل جعلها من أولوياته واساسياته والطريق الذي يمشي عليه والمنهاج الذي يسير عليه، هي سراج يستنير به ونورا لايفارقه في دربه الطويل.
جلسنا جميعنا في مجلسه العامر، ويجلس هو بتواضع عظيم مقدما على نفسه الصغير والكبير، يستمع للجميع، كل من يحاوره يشعر أنه الأقرب إليه والأحب والناس عنده سواسية، الغني والفقير، الكبير والصغير. تراه مبتسما في كل حالاته يشعرك بجميل الحياة وروعتها. تمر الساعات ولم تشبع النفس من مجلسه، ويتمنى الحاضر لو أن الدقيقة تصبح ساعة، والساعة يوما، حتى ينال من عظيم كرمه وتبتهج النفس بما ينثر في مجلسه من عطر زاكي.

فلله دره، جمع معاني الأنسانية في إنسانيته، ومعاني الكرم في كرمه، ومعاني التواضع في تواضعه، وعظيم الخصال في خصاله وصفاته. فأصالة عن نفسي ونيابة عن مجموعة الطيران-السفر-السياحة أقدم عظيم الشكر والتقدير للشيخ أيمن بن أحمد بن سلطان الحوسني الرئيس التنفيذي للشركة العمانية لإدارة المطارات شكرا يليق به وتقديرا يوازي تقديره، على كرم الضيافة وحسن الإستقبال وحفاوة الترحيب، فله كل الحب والود والإحترام. 


الجمعة، 21 يونيو 2019

فريق الخضراء... طموح لا ينتهي



عند ميلاد يوم جديد، نتفاجأ بإشراق إنجاز جديد في فضاءآت لا تعتمها الإخفاقات، بل تبدو مشرقة بإنجازاتها الوضّاءة، التي تجرها قوى لا تخور ولا تعرف الضعف ولا الخمول ولا الكسل أبدا . هكذا هي أيام فريق الخضراء بولاية المضيبي منذ أن أُنشيء وهو تطلع في سمائه النجوم شموسا، لتصبح كل يوم فيه أكثر إشراقا، وتتعلق الأهداف والطموحات في فضائه نجوما، لتبدو كل دروبها الوعرة واضحة سالكة لكل مجتهد وطموح.

منذ اللحظة التي أُنشيء فيها الفريق وهو يسابق للعلياء، ليعانق السمو رقيا، مقتنصا كل الأهداف، متفيئا الأمكنة التي تليق به فقط. وهو يصعد درجة درجة تدفه عقول تخطط لكل خطوة يخطوها، وأيادي سمر مشمرة عن سواعدها لا تعرف الكلل ولا الملل، حتى رأيناه ينافس الفئات الأولى وبقوة ليحظى بالسبق دون غيره. فكان جديرا بنيله المراكز التي يستحقها ليصبح شمسا يشار إليها بالبنان في كل نواحي السلطنة من جنوبها إلى شمالها.
دأب كل عضو في فريق الخضراء في عمله ومسولياته، فلا يبق واحد إلا ويقوم مجتهدا بتحقيق  ما رسم له من أهداف، متماشيا مع الخطط الدقيقة،مترابطا مع الجميع ليهبوا جمعا وفرادى، فكانت النتيجة الصعود بالفريق نحو القمة حيث لا منازع ولا منافس على الأول، ولا مركز سوى الأول في معظم مشاركاته إن لم تكن كلها.
فالسفينة التي رست في مراسي النجاح حظيت بربان يقودها مطمئنا إلى بر الأمان، ويجدّف بقوة بحّارة يقهرون الأمواج، ويتخطون الصعاب، نصب أعينهم هدف لن يحيدوا عنه ولن يتراجعوا، تحركهم العزيمة والحب والوفاء، حتى نالوا وحققوا ما رسموا من أهداف.

كان ومازال فريق الخضراء يقطف الثمار يانعة بعد الجهود والتضحيات، لتكون كلها ثمارا طيبة ومرضية للفريق والبلد، ليصبح الفريق الذي يشار إليه بالبنان، والفريق الأول في السلطنة ، كونه فريق يترابط أعضاؤه بأياد قوية، وكأنها أياد رجل واحد، وتخطط مسيرته عقول ذكية لا تخطيء قيد أنملة. فعلينا جميعا ذكورا وإناثا، شيبا وشبانا، كبارا وأطفالا، أن ندفع بالفريق نحو الأفضل وأن نساهم في رقيه وسموه أكثر فأكثر، فهو لنا ولأبنائنا من بعدنا.


صالح بن سعيد الفارسي
Twitter: @boumitrif

الأحد، 7 أبريل 2019

أنا والمجانين




فجأة وعلي مقربة من سيارتي رأيت أربعة مجانين لا يلبسون سوى قطعة قماش تغطي الجزء الأسفل من الجسد العاري. كانت السيارة تقف في الجزء الغربي من القرية على مقربة من نخيلها الباسقات، على سفح جبل يفصل بين الواحة الخضراء والصحراء القاحلة المليئة حجر وحصى. مشيت مسرعا نحو السيارة بخطى حثيثة حتى أبتعد عنهم هاربا. ثمة رقصات جنونية يقوم بها المجانين العراة. فتحت باب السيارة ركبت ثم غلقت الباب مسرعا ومحاولا في ذات الوقت تشغيل محرك السيارة. تحلق المجانين حول السيارة محاولين ركوبها معي والأبواب مقفلة. أحدهم أسمر أشعث بدأ عليه الشيب، يلمع شعره الفضي كلمعان مهند في عرض النهار. يرفرف الأسمر بيديه بحركات تشبه حركات السحرة، فجأة لم يشتغل محرك السيارة لايتوقف كل شيء في السيارة. عرفت أنه اوقفها بفعل سحره فايقنت أنه لا مفر ولا مهرب عن المجانين، إن بقيت داخل السيارة حتما سيكسرون نوافذها وزجاجاتها. وإن خرجت سأتعارك مع فاقدي العقل. خرجت مسرعا نحو المجنون الساحر طالبا منه إزالة سحره لأشغل محرك السيارة، وافق بشرط أن يصحبونني في رحلتي نحو مركز القرية. وافقت على طلبه شغلت محرك السيارة ركب المجانين السيارة معي. تحركنا جميعا وبدأ المجانين في غيهم ورقصهم ومزاولة متعتهم الجنونية لنصبح جميعا مجانين. كانت فرحتهم عارمة وسعادتهم لا توصف شعرت أن في السيارة معي أطفال ذو أرواح مرحة ونفوس صافية. في نهاية الرحلة تركتهم في أحد الأمكنة ليذهبوا حيث يشاءوا، بعد برهة من الزمن وقفت متسائلا لماذا تركتهم بلا مأوى، ولماذا لم أخذهم لمأويهم وبيوتهم!؟
ضغت بقدمي على الفرامل لأوقف السيارة سريعا، فجأة استيقظت من نومي لأتيقن فعلا أنني كنت أحلم.