إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الجمعة، 10 فبراير 2012

الفقير وأنشودة الوطن


..........كعادته اليوميه بعد صلاة الفجر يخرج بمسحاته ناويا تلك الارض الطيبة باحثا عن كنز عظيم اعتقد وامن انه مختلط بحشايا الارض مدفون هنالك في باطنها , فيقلب التراب بعد ان يضرب الارض ضربة قوية يهتز من قوتها كل ما وجد على تلك البقعه , ضربة تنزل من اعالي السماء  عندما ينظر اليها ذاك الطفل وكأنها نسر قد هوى من اعالي السماء منتصبا نحو الارض ليقتنص فريسته. ذاك الطفل الذي يتعلم وسيتعلم ما يفعله ابوه مدركا انه في يوم ما سيكون هو في مكان ابيه.
ادرك ذلك العجوز الفقير ان الارض هي الكنز وان مخرجاتها من زرع وثمر هي مجوهراتها المكنونة والمضمومة في باطن الارض وانها اغلى ما عنده , فهي وطنه الذي لا يرضى به بديلا ولا يتخذ بدله عشيقا  هي العشق الازلي الابدي من سماء تظله ومن ارض تحمله, هي عشق قيس وليلى وجميل بثينة وكثير. بهذا الفكر امن ذك العجوز ولكن قد يفسره باسلوب ونمط حياتي مغاير ولكن الجوهر نفسه.
يعمر ارضه ووطنه حبا للعيش وحبا للبقاء في رقعة وطنه لا يرضى له الخراب ولا الدمار ابدا يعيش العمر كله عامرا لأرضه ووطنه يرتشف رحيق ازهاره لا ليأخذها الى خارج الوطن بل ليعمر بها جانبا من جوانب وطنه , يقطع شجرة ميتة لا ليذهب ليبيعها خارج وطنه بل ليبني بها عريشا قويا في ارضه ليحتمي به ابناء تلك الارض , يحفر بئرا عميقة ليستخرج منها ماء عذبا زلال ولا يرضى ان يؤخذ ذاك الماء الى خارج ارضه لأنه امن ان ابناء ارضه هم الاحق بهذا الماء وليس غيرهم حتى يرتوي عطشى مجتمعه , يصطاد طيرا من سماء وطنه فرجع من صيده مبتسما فرحا لأنه يعلم ان هنالك الكثير ممن يقتلهم الجوع وهم ينتظرون رجوعه من البر وقد جمع كل ما اصطاده لأبناء وطنه الجياع , في كل يوم يذهب الى الجبل ليأتي بالنباتات الطبية ليصنع بها دواء شافيا باذن الله ليعالج  مرضى وطنه لتعمهم جميعا الصحة الغاليه. يرجع كل مساء ليجتمع بأبناء ارضه و مجتمعه  حتى يستأنسوا ويسلموا على انفسهم حتى ترتسم البسمة في محياهم وتصفى قلوبهم ويذهب عنائهم.
هذا العجوز الفقير أمن بالمدينة الفاضلة وسعى لها سعيها وابناء ارضه كلهم قد امنوا بها ايما ايمان , كلهم فقراء المأكل والمسكن والملبس ولكنهم اغنياء في فكرهم ومعاملاتهم واخلاقهم .........هولاء هم الفقراء.
ادرك هذا العجوز الفقير ان كل هذه الخصائص هي حب الوطن وحب الارض والعيش فيها, وحب ابنائها وشجرها وسمائها. فعندما ادرك الفقراء هذا عملوا من اجل ان يعيش كل افراد الوطن في تعامل حميد وتكافل عظيم. هولاء هم الفقراء لا يصلح الوطن الا بهم فحاجة الفقير تصنع الاوطان وتنميها.
فأتقن هولاء الفقراء الذين تحلوا بالصبر والامانة والاخلاق الحميدة انشودة الوطن التي ينشدونها كل يوم مع زقزقة العصافير وتغريدها لحنا تلذ الاذان لسماعه انشودة الحب والارض , انشودة العهد والوفاء , انشودة الوطن والحب , حب الام حب التراب حب الارض وحب الفقير الذي يخلو من النفاق والمصلحه.

في الجانب الاخر البعيد هنالك ارض متوحشة جدا ارض تملؤها القصور العظيمة, ارض تخلو من التحية الجميلة, تخلو من البسمة البريئة, تخلو من الود والتعاطف والترابط. مملوءة بسمك القرش ذو الانياب الحاده غاباتها مملؤة بالضباع الماكرة, ارض لا يحبها الفقير ابدا ارض لا يحبها اهلها ابدا فسكنوها لانهم يريدوا ان يصبحوا من سكانها فحسب........ انها ارض الاثرياء.
هولاء الاثرياء الذين يجمعون الاموال الطائلة والملايين الكثيرة , اصحاب الشركات والمصانع واصحاب الحسابات المصرفية التي تكاد تنفجر من كثر الاموال المكنوزة فيها. هولاء الاثرياء الذين امتصوا خيرات البلد وثمراتها ويكنزونها مثلما يكنز الجراب. بسببهم جفت ينابيع الارض فلم يجد الفقير شربة عذبه ,بسببهم انعدم الصيد والزرع والثمر فلم يجد الفقير ما يسد به رمقه , اصبحت الارض مثل ذاك الطفل الصومالي الذي شاهدناه في الاخبار الذي يكاد يخلو جسمه من اللحم فصار جلد وعظم.
هولاء الاثرياء الذين لا ينامون الليل البته تجدهم يفكرون كيف يمتصون من الارض بطريقة لم يفعلوها من قبل كيف يجمعون الاموال كلها ويكدسونها كيف يمنعوها عن الفقير حتى لا يعطى منها بيسة واحده , وبالمقابل تجدهم يقضون الليالي الاخرى في انفاق اموال الارض التي امتصوها حتى جفت في دول اخرى غير ارضنا. عملوا في ارضنا الشركات النفطية وغيرها والمصانع الضخمة والصغيرة وتعود عليهم بالأرباح الطائلة وسرعان ما تصدر هذه الاموال الى المصارف الخارجية حتى يأمنوا عليها من ثورة الفقراء ان حدثت لان الارض ارضهم ولن يغادروها ابدا وانما الاثرياء فتأشيرة دخولهم اي بلد هي جاهزة في اي لحظه .
هولاء الاثرياء منهم في بلادنا الكثير الكثير الذين امتلكوا كل شيء الاخضر منه واليابس ولم يقدموا لهذا البلد اي خدمة مجانيه الا القلة القليلة فقط الذين يمكن عدهم بالأصابع وربما اقل من ذلك. لم يبنوا المستشفيات ولم يرصفوا الشوارع ولم يتبرعوا للجمعيات الخيرية , لم يبنوا بيوتا للمتضررين من فيضانات جونو وفيت , لم يزوجوا الفقراء ولم يساعدوهم ابدا . لم يقدموا اي من الخدمات للمجتمع سواء كانت مجانيه ام غيرها على رغم ان اموالهم من هذه الارض . لم نسمع بمتبرع قد تبرع بمدرسه او مستشفى(يقال ان هنالك متبرع بمستشفى للأطفال وهذا الاول من تاريخه والله اعلم بحقيقة الامر) او مجمع سكني. لم يتبرعوا ابدا ابدا ابدا على رغم الاموال الطائلة التي في بلادنا ومن ارضنا.
كيف لهولاء الاثرياء ان يزعموا حبهم لهذا الوطن وهم يشفطون خيراته ولم يقدموا خدمة واحده على قياس اموالهم او تساويها حتى اموالهم لا تودع في مصارف البلد وانما تودع في الخارج حتى لا يستفيد منها الوطن , بنيانهم وتجارتهم بنوها في خارج الوطن  تبرعاتهم ليست للوطن ان كانت هنالك تبرعات وانما لغيره وذلك تبعا للمصالح الخاصه ولان الفقراء لا مصلحة من ورائهم فلا يحصلون شيئا من التبرعات. الأولى منهم ان يتبرعوا لهذا الوطن من اموالهم وان يبنوا بنيانا مرصوصا وان يطوروا التعليم والاقتصاد حتى ينعم الوطن واهله بالخير العميم.
كل ثري لا يساهم في بناء بلده لا يستحق ان يكون مواطنا ابدا وليس القصد بالمساهمة بان يوظف المواطنين في مؤسسته بل بالتبرع من ماله في بناء المستشفيات والمدارس والجامعات المجانية او سهلة الدفع والبيوت والشوارع واعطاء الفقراء , ولان توظيف المواطنين شيء لا خيار غيره ابدا لهم.
فأتمنى من كل ثري ان يساهم في بناء البلد وان يتبرع وان يحذو حذو الغرب في التبرع ان كان لا يريد ان يحذو حذو الاكارم من العرب والمسلمين. عليهم ان يساهموا في بناء البلد مثل الفقراء حتى يستشعروا بعذوبة نشيد الوطن وحتى يتسنى لهم ان ينشدوه.



صالح الفارسي
مساء الجمعه 11 ربيع الاول 1433ه
الموافق 3/2/2012م