إجمالي مرات مشاهدة الصفحة

الأربعاء، 29 يونيو 2016

لقد فاتني رمضان


كنت قد أعددت عدتي لشهر رمضان وأسوقها ملأى ، ليست كالعربات التي ملأت في الأسواق التجارية بمسمنات البطون و الرقاب، بل بالهمم والنوايا لصوم الشهر كما كنا نصوم، وبقيامه وبالإكثار من الأنشطة الروحية التي حتما ستشعرنا أننا أقرب بشبر على الأقل إلى الله من ذي قبل، رغم بعدنا كل البعد عن خالقنا الذي نستحضره كل يوم عشرات أو مئات المرات بالرحمن الرحيم، أو العفو الكريم ولم نستحضره بشديد العقاب. فقلنا أننا سنصوم شهر رمضان هذه المرة صياما يختلف عن ما مضى، محاولين أن نعيش حياة الصالحين، لا ليس الصالحين بل حياة مسمى أخر للذين يعبدون الله لا أعرف ماذا أسميهم ، يبعدون عن الصالحين بمئات الأعوام ربما ، لأن نشاط العبادة التي تقام في الطرفين ليس لها مجال للمقارنة أبدا، فالثاني لا يتنفس إلا صلاحا ونحن لا تنتفس صلاحا !. لنضع في أنفسنا حساباتا وفي حساباتنا جداولا وفي جداولنا مواقيتا وفي مواقيتنا أنظمة وأنشطة تأدب الروح قبل ترويضها ثم تغرس في عرصاتها ورد محبة الله ، والإيمان الخالص ، والوفاء والطمأنينة العظمى. فمن يقرأ دساتيرنا التي أعددناها ويكأنه يسترجع شيئا حتما سيذكره بالراشدين، أو أصحابهم، أو الشراة أو تلاميذهم، لكن الصورة كل تفاصيلها مغلوطة، فليس في الحال ما ذكره المقال البتة، لكن وضع الخطة سبقه قرآءة في تاريخ مضى حمل بين طياته ما يبكي فقدانه، فحرك أشجان النفس المخدوعة، لتدور عائدة حيث بدايتها المخدوعة، وما أكثر الخديعة ؟!.
أذن مؤذن أن رمضان قد حل ضيفا كريما، وأن الصيام قد وجب على المكلف، ليس عقوبة ، بل مدرسة ذات أنهار وثمر، ننال من ثمارها ونغتسل من أنهارها بعد الشرب، ولنحمل منها عظيم الزاد ليوم المعاد، لأن من لا زاد له لن يقاوم عثرات المسير، فالدرب وعر، والمسير صعب، و القوى حتما ستخور لمن لا زاد له. الله أكبر ، تكبيرة الإحرام في أول صلاة تراويح ، المساجد تعج بالمصلين وقد إمتلأت بطونها، وفاضت صحونها، وبدأنأ أول شيء في الشهر فرحين بأن الله من علينا ببدء صيام الشهر وهذه نعمة عظيمة لم ينالها من هلك بعد رمضان الذي مضى ، لعل في هذه النعمة فضل العتق والرحمة والمغفرة والرزق العظيم، ولا يخفى علينا أن في رمضان فوائد عظيمة قليلة هي ما ندركها وعظيمة هي التي لم تدركها حواسنا ومدراكنا، لكننا متيقنين أن من أدرك رمضان وصامه إيمانا واحتسابا سيحظى ولو بشيء منها، لأن من يعطي هذه المنافع هو أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، والذي لا تحد كرمه وحلمه وعفوه ورحمته حدود.
بعد تكبيرة الإحرام هرع الناس جمعا وفرادى، جريا وهرولة لله مقتربين له طائعين ، يكثرون من العبادة، وينوعونها، بين سجود وركوع، وقرآءة ودعاء وصدقة، وتهليل وتكبير وحمدلة وحوقلة وإلى مالا تحصى، سعيدين بكل لحظة في يومهم حتى أتموا أكثر من عشرين ليلة لا تفوتهم لحظة إلا وقد كتب لهم فيها حسنة وفي رمضان تضاعف الحسنات.
بعد أول تكبيرة إحرام نمنا؟! والناس بين سجود وركوع، وتهليل وتكبير وصدقة ونفقة وجود ورحمة وخوف من الله وحب له. تخلل نومنا الكثير من الخسارات ، والكثير من الذنوب والكثير من الهرج والمرج، واللهو واللغط ، والقبح والمعاصي، استحوذ الشيطان على نفوسنا، فآسر قلوبنا، وأقتادنا خلفه كالأسارى المستعبدين ، كلما أرادت النفس أن تصحو من سباتها تلطمها معصية خبيثة فترديها صريعة بين الصرعى. طفقنا نصلي شكلا نقول ما لا تدركه قلوبنا فلا نستحضر صلاة ولا عبادة، ونقرأ القرأن شكلا فلا نعرف ماذا قرأنا وماذا نقرأ وأين قرأنا ومالذي قرأناه، ونصوم شكلا فلا في صومنا حكمة ولا عبرة، فقط تقرقر بطوننا المنتفخة بالطعام الذي يرمى أكثره، وأكثر الفقراء يفقده.
بعد العشرين يوم فتحنا أعيننا الوسنى لنرى التقويم فنقرأه (20 رمضان)، بحلقت في التقويم بحلقة النائم المندهش مما رأى، يومين متتاليين بين مصدق وغير مصدق، متسائلا أين ذهبت عشرون يوما ثم تلتها يومان؟! لم أتذكر أنني كنت في لهو ولعب ولغط ومعصية وتمتع بالحياة الدنيا ومتناسيا الحياة الأخرى. إنقضت يومان ، فأدركت أن رمضان فاتني ، فاتني قطاره حينما كنت ألهو بين المعاصي والظلمات في أول محطة له. سيبكيني الألم أظنه أربع ليال، لتبقى على الأرجح أربع ليال أخرى من أصل ثلاثين، والتي ستذهب في الحسرة والندامة، والتأمل بصيام رمضان المقبل كما كان يصومه الصالحون، أمل النفوس الكسولة التي تخدع عقولها بأمل كاذب. لم أتذكر بأن ملك الموت لا يحذر قبل إنتزاع الروح، وأن الموت ليس للشيوخ فقط ، فهو ينتزع حتى الرضع في حجر أمهاتهم.
كم أنا سيء الحظ وقد فاتني رمضان ولم أقطف ثماره ، صمت جائعا، وقد فاتني الفطور حينما يفطر الصالحون بكل ما لذ وطاب، صارخا ولا مجيب لقد فاتني رمضان، والناس فرحون في أعيادهم، عمتهم السعادة والبهجة ، وأنا أندب حظي الميؤوس ، لقد فاتني رمضان يتردد صداها الحارق بين أضلعي.
صباح الثاني والعشرين من رمضان 1437

الخميس، 16 يونيو 2016

برنامج رمضاني للكسالى


 
بما إن شهر رمضان هو الشهر الأكثر فضلا وكرما يتسابق الخيرون لنيل هذا الفضل العظيم، وبما أنه مدرسة في الصبر والتحمل وإدارة الوقت واستغلاله ، يتسابق العاقلون في تعليم كل حرف من مدرسته حتى لا يفوتهم شيء لم يتعلمونه، فتجد الناس يحرصون على استغلال كل لحظة فيه. وبما أنه شهر يختلف عن كل الشهور في طبيعة الحياة ومذاقها فلا غرابة في حرص الناس على الاستمتاع بأيامه القليلة.
يعيش المسلمون حياة رمضان حياة مختلفة تماما عن الحياة في باقي الشهور إبتداءا من بداية اليوم وحتى نهايته. فيتم تقسسيم ال 24 ساعة تقسيما مضبوطا وليس بالضرورة متزنا أو متساويا، فكل إنسان يقسم الوقت حسب توجهاته وميولاته، فمنهم من يعطي العبادة جل وقته، والأخر يعطي النوم أكثر وقته، والبعض لا ذا ولا ذاك ، يقضي وقته في السهر واللهو والرياضة وغيرها. ف في رمضان تكثر الأنشطة الحيوية فلا يجد الواحد وقتا فارغا إلا وملأه بشيء ما. كل هذا وذاك أغلبه يكون غير منظم ولا مخطط ، فقط هو برنامج عشوائي يعيشه الإنسان في يومه، ومنهم من ينظم الوقت تنظيما جميلا متنقلا بين العبادة والرياضة والقرآءة والزيارة ،،والخ. فإليك أخي البرنامج الرمضاني الذي قد تستفيد منه، وقد أعددناه خصيصا للكسالى.

بداية النهوض قبل آذان الفجر بنصف ساعة على أقل تقدير فيقضي الوقت المتبقي إلى الصلاة في قرآءة القرأن بتدبر وليس بسرعة، وتذكر أن لا تضع في نفسك أن تختم القرأن مرات عديدة بقرآءة سريعة، بل اختمه مرة واحدة بتدبر وخشوع واستحضار جوارح. لتكن خمس صفحات قبل الصلاة و خمس أخريات بعد الصلاة وياحبذا لو تقرأ في مصحف مهمش بتفسير ميسر للأيات، لتكن عشر صفحاات مع صلاة الفجر على أقل تقدير.

ثانيا يقضي بعض الناس وقت الصباح في الدوام لمن هم غير مجاازين إلى ما بعد صلاة الظهر وقبل صلاة العصر.
والذين هم في إجازة، ينام حتى الساعة الثامنة على أكثر تقدير ثم ينهض ، ويقضي ساعة من صباحه في قضاء بعض الأعمال ، ثم يقرأ كتابا لمدة ساعة من نهار حتى قبيل صلاة الظهر، ثم يذهب للمسجد قبل الآذان ليقرأ خمس صفحات مع التفسير قبل الصلاة وخمسا بعد الصلاة ، لتكن عشرة كاملة مع التفسير، فنكن قد أكملنا عشرين صفحة من القرآءن بتفسيرها.

ثالثا: ينام من أراد النوم ، وليذهب لبعض مشاويره من أراد أن يذهب، يقضى هذا الوقت حسب الرغبة ، ويا حبذا أن يقضى في عبادة أو قرآءة أو قضاء حاجة شخصية أو للآخرين.

رابعا : قرآة خمس صفحات من القرآءن الكريم مع تفاسيرها قبيل صلاة العصر و خمسا عقب الصلاة لتكن كلها عشرة، ويكون المجموع ثلاثين صفحة . عقب الصلاة يقضى هذا الوقت في قضاء الحاجات أو الزيارات أو في مهمات الأعمال الأخرى. قبيل آذان المغرب بنصف ساعة على أقل تقدير تقضى هذه الفترة في قرآءة كتاب حتى الفطور ليكن مجموع القرآءة في كتاب ساعة ونصف الساعة، ولمن أراد قضاء الوقت الذي يسبقه في القرآءة سيكون حسنا ليرتفع عدد ساعات القرآءة إلى ساعتين أو ساعتين ونصف. للنساء حتما سيقضى هذا الوقت في تحضيرر الفطور.

خامسا: بعد صلاة المغرب هو وقت العائلة ، وهو وقت قصير جدا لتأتي بعده صلاة التراويح.

سادسا: قرآءة خمس صفحات من القرآن قبيل صلاة التراويح ، ثم المواصلة مع الصلاة. بعد الإنتهاء من الصلاة سيكون الوقت غير مبرمج ليقضى في طقوس مختلفة كالزيارة ، والرياضة وحضور الأمسيات والدروس وغيرها. فلنحرص على عدم متابعة المسلسلات والأفلام، وإذا أردنا أن نتابع بعض البرامج فلا بأس شريطة أن لا نكثر المتابعة. لنتأكد من وجود ساعة كاملة قبل النوم على أقل تقدير نصفها لقرآءة القرأن، والنصف الأخر لقرآءة كتاب. ليكون جملة صفحات القرأن الكريم التي نقرأها في اليوم والليلة من ثلاثين إلى أربعين صفحة، ويكون جملتها في كامل الشهر من ختمة ونصف إلى ختمتين مع التفسير والقرآءة بتدبر عظيم. و يكون جملة الساعات التي نقرأ فيها كتابا مختلفا من ساعتين ونصف إلى ثلاث ساعات أي جملة ما يقارب خمسين صفحة ذات ال خمس وعشرين سطرا في اليوم لتكون جملتها الف وخمس مائة صفحة.
بهذا نكون قد أنجزنا في شهر رمضان إنجاز لا باس به أو أنه مقبول ونكون قد حرصنا على أن لا نقضي ساعة من الشهر في أللافائدة، وذلك باتباع برنامج جميل باتباع حسن. ولمن أراد أن يكثف برنامجهه فله ذلك ، طبعا ستكون الثمرة أكبر وأكثر نظارة. إعلم أخي أنك إذا اتبعت برنامجا قد أعد حسب جدولك اليومي ، فإنك ستتعلم من الشهر أشياء كثيرة غير الصبر والصدقات والتحمل ومشاركة الفقراء آلامهم ووووو. ويمكنك أن تهيأ برنامجك بنفسك وتعده إعدادا جيدا يناسبك تماما كطالب أو موظف ، أو غيره، في النهاية المراد كيف نستغل الوقت استغلالا جيدا، وتذكر إن نجحت في تطبيق برنامجك الرمضاني أن تستمر به في مستقبل حياتك حتى تعيش حياة مجدولة ومستغلة تمماما مفعمة بالنجاح. تذكرة أخرى لك أخي / أختي في بعض بلاد المسلمين هنالك من يعيش تحت ويلات الحرب والظلم، لا مسكن يأويهم ، ولا طعام يسد جوعهم، ولا لباس يستر عورتهم، أولا قل الحمد لله وكن من الشاكرين على النعمة العظيمة التي تعيشها، فلا تسرف ولا تبذر، ثم تصدق بيمينك واخفيها عن مواقع التواصل ، فالذين يصورون أنفسهم أمام شاحنة المؤن الخيرية هم لا يدخلون تحت مظلة ورجل تصدق بيمينه فاخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، فاكثر من الدعاء لإخواننا المسلمين المستضعفين في الأرض.

في النهاية لا تنس أخي أن تدعوا لنا في الشهر الكريم

 

الخميس، 26 مايو 2016

تحت وطأة الفقر



في عصر كل إثنين ينتظر بنوها عند الباب قدوم الشاحنة التي تشتري المعادن من الناس، سيارة المعدن كما يسميها أبناء الحي ، كانت لهم رزقا متذبذبا، جراء بيعهم علب المشروبات الغازية التي يجمعها أبناؤها من صناديق القمامة أو التي يلتقطونها من الأرض التي رماها الناس من سياراتهم. وليست القيمة كبيرة لدرجة أنها تكفيهم بعض إحتياحاتهم، بل تزيد فيما يجمعونه من هنا وهناك، كادحين غير متسولين. سلمى تبلغ من العمر خمس وأربعين خريفا، فقدت زوجها قبل خمس سنوات ولم يترك لها سوى بيت عتيق ورثه عن أبيه وأربعة أطفال الكبرى والصغرى إبنتين أما الثاني والثالث فهم ولديها الاكثر كدحا بين أبناء الحي، وعمريهما بين العاشرة والثالثة عشر ، لكنهما يعملان كل شيء لاسيما في موسم القيظ ، لأنه أكثر المواسم ثراءا وأكثرهما إنتاجا. راتب زوجها الشهري لا يكفي لأن يسدوا إحتياجاتهم الحيوية، فلم يكن الإعفاء من دفع الفاتير يحالفهم ، فهم ليسوا من أبناء الأثرياء ، أو موظفي الحكومة الكبار المليئة جيوبهم من العطايا، أو ليسوا من أبناء أحد الشيوخ الذين تغدقهم الحياة بعطاياها. فهم ليسوا إلا فقراء ورثوا الفقر أبا عن جد، لحسن حظهم أن الكرامة والعزة وكثيرا من الخصال الحميدة ترعرعت بين أروقة بيتهم، لتحسبهم أغنياء من التعفف، والفقر قد شرع خيامه في حماهم.
ولم تكن تأتيهم العطايا والصدقات والزكاة من الخيرين، فلم يسمع الناس أنينهم، ولم يروا مظهر جوعهم، ولم يقرأوا قائمة إحتياجاتهم، قد جعلوا كل شيء سرا، إلا اللهم أن الفقر قد لون ملابسهم وشيئا منه في وجوههم وأجسادهم. فهم يكثرون الكدح المتواصل لتأمين لقمة العيش، حتى لا يسمع صراخ أمعاؤهم، ولتامين الملبس حتى لا يرى عريهم، أو حتى لا يروا بثياب بالية. كانت سلمى حريصة كل الحرص على أن لا يتأذى أبناؤها بكلمة أو منظر من حال الحياة المحتمة عليهم التي لا مفر عنها، لكن الحال فرضت نفسها عليهم، فكانوا ضحايا مناضلين. كلما تجمع المال معهم تذهب سلمى لشراء المؤنة ، ليس هنالك موعد محدد لها كباقي الناس الذين ينتظرون معاشاتهم نهاية كل شهر، فيملؤن بيوتهم بالمشتريات والتي بعضها سيرمى من ترف أو تبذير، فمعاش زوجها لا يغطي جميع الإحتياجات.

 دكان سالم الذي يبعد قرابة كيلومتر واحد ، هو الدكان الذي تشتري مؤنتها منه كلما تجمع مال لديهم. دخلت الدكان بعد المسير المتعب، تشاركها ابنتها الصغرى أبنة ال سبع سنين ، كان الدكان واسعا ومليئا بالمعروضات، فهو الدكان الوحيد في تلك المحلة، وكل أهلها يتسوقون منه، فكان الربح وفيرا، لاسيما والعم سالم سهلا في البيع والمعاملة. تدفع عربة المشتريات أمامها وتتبعها ابنتها، التي لا تنال من هذا المشوار سوى التعب والبكاء بسبب عدم حصولها على رغباتها كطفلة، تتمنى امتلاك كل ألعاب العالم، لكن أين لها وهي الأكثر فقرا في تلك البقعة. يجر قبالههم رجل شاب عربته والمليئة بكل شيء يصحبة أطفاله المشاكسون، كانوا هم من يمليء العربة بكل شيء حلويات بطاطس األعاب وبعض إحتياجات المنزل، وهو غير أبه بما يتناوله أبناؤه من أشياء، لأنه سيدفع غير مبال. شمسة الطفلة الصغرى من أبناء سلمى تنظر للأطفال والعربة المليئة بنظرة لا يعرفها أحد إلا الأطفال فقط، بنظرة تتلألأ الأحداق بها، تسمرت قبالتهم، ولسان حالها يقول أريد لعبة ، أريد أن أعيش الطفولة العذبة، كفى من طفولة الفقر والحرمان. أريد شيئا واحدا من تلك العربة، لأصنع بين أضلعي فرحة الأطفال ، ولأعيش بهجة اللعب ومتعة التسلية. شمسة ذات الشعر الذي لم يسكن في رأسها، بل بدا متفرقا في جدائل صغيرة ليست كجدائل الحسان، بل كجدائل بنات الفقراء، ولا يخلو من الأتربة المندسة بين الشعر. كل شيء لا يبدو فيها جميلا سوى عينيها السنجابيتين اللتين تمطران اسستغرابا ودهشة، ثيابها عتيقة بالية, قدميها حافيتين مليئتان بالتراب وبعض التشققات ,يداها سمراوان ووجها من ضربة الشمس ، مما جعل الأطفال يسألون عنها أبيهم، لماذا تحملق فينا تلك الطفلة ذات الثياب العتيقة والشعر الأشعث؟! سحب الرجل أبناءه هربا منها في ظنهم أنها مؤذية كما شاهدوا بعض أفلام الخيال، إلتفتت إليهم حينما ذهبوا ترمق الألعاب بنظرة الحزن ، إنه حزن الأطفال الذي يفجر براكين البكاء في نفوس أصحاب الضمائر الحية. قعدت بجانب اللعبة المركونة في رف الألعاب حسرة ورغبة تمتع ناظريها بحلم لم ليس سهلا تحقيقه، ترمقها أمها حسرة وإشفاقا، وقلبها يدمي ويحترق، لسان حالها يقول نحن خلقنا هكذا يا بنيتي. سحبتها بقوة والحرقة تحرق حشاشتها ، وجوفها يغلي كما تغلي حمم البركان.

وقفت خلف الرجل الذي ملأ عربته بكل شيء حتى تحاسب، ليكن حساب مشترياته مبلغ كبير وأبناؤه لا يزالون يملؤن بطن العربة من الحلويات المركونة جنب المحاسب، وسلمى وطفلتها تنظران من طرف خفي. تحاول ابنتها تناول علبة حلويات، فتمنعها أمها قائلة لها سأشتري لك إذا تبقى لنا نقود من التي نحملها، فرحت الطفلة فرحا بوعد أمها تمني نفسها فرحا وسعادة، تفكر في علبة الحلويات، أنها لن تأكل منها شيئا حتى تصل البيت لتشارك إخوتها بها ، ليأكلوها جميعهم في جمعة واحدة، ما أقساها من أمنيات حينما تكذب على قلوب الأطفال؟! وما أقساها من أمنيات حينما تكون مستحيلة؟! وما اقساها من أمنيات حينما تجلد قلوب الأطفال بسياط الفقر؟!. حينما تمت المحاسبة بلغ حسابها أربعين ريالا وسلمى لا تملك إلا خمسا وعشرين ريالا، نظرت إلى النقود ، ثم تقفز نظراتها إلى المشتريات، والحرقة تأكل قلبها ألما. قالت للمحاسب لنأخذ بقيمة خمسا وعشرين ريالا فقط، فأخذت المهم من المشتريات وتركت الباقي وخرجت تجر معها طفلتها. تنظر شمسة بنظرات كلها حرقة وألم شديد يعتري نفسها، لماذا لم تشتري لها أمها الحلويات؟!

لماذا اشترى ذانك الأطفال كل أنواع الحلويات والألعاب؟! لماذا؟! ألا يحق لها أن تفرح؟! لماذا يفرح الأخرون وهي لا تفرح؟!
تبكي بكاءا مرا ، متسمرة مكانها تريد العودة للحلويات، تسحبها أمها بقوة لتضربها حتى تترك عنادها وتتبعها إلى البيت. تمشي سلمى حاملة أكياس المشتريات في يديها وشيئا في رأسها، ويبكي قلبها بكاااااااءا لا أمر منه ولا أشد ، وتبكي الطفلة بكاء الأطفال، لكن بكاء الأم أشد واقسى، يا لقساوة الفقر! يا لقساوة المجتمع! يالقساوة الناس! كلهم قلوبهم قاسية، ضمائرهم نائمة، ينعم الواحد بكل شيء ، وفي محلته فقير لا يجد بسمة يريح بها قلبه، الكبير ثقل عليه الفقر والطفل حرم من بسمة الطفولة ، الغني يسرف في كل شيء، والفقير لا يجد شيئا، الأغنياء يسمع الفضاء قهقهاتهم ولهوهم ، والفقراء لا تسمع الجدران أنين قلوبهم وبكاء نفوسهم.


غدا ستشرق شمس الصباح وستصحوا أجساد متخمة متعبة من الطعام والشراب، وقماماتهم فائضة وقططهم سمينة، ، وستصحوا أجساد لم تنم من الجوع ، بيوتهم تخلو من الطعام.

الأحد، 1 مايو 2016

طفلة حلب



بين أنقاض العمارات المتهايمة، والطرقات المليئة بالأشلاء ، والسكون الذي يخيم على سماء حلب، ثمة طفلة تبحث بين الركام عن الحضن الحنون، وعن صاحب الساعد الأسمر، وعن نصفها الأخر الذي طالما شاركها الرقص على جنادل البنايات ويملأآن المكان بالضحكات البريئة.
تقف في وسط أللا شيء تنظر بعيون محتارة خائفة، يحوطها كل شيء مدمر ، يهز كيانها البريء خوف وفزع وكأن لحظاتها تحولت لعتمات نجومها عيون الذئاب والأفاعي والجوع والبرد والحر. متسمرة وسط الكارثة وبين أضراسها أصابعها الناعمة تصك عليها بفكيها مدعومة بقوى الخوف تقطعها حتى تتفتق بدماء اليتم والذل والمهانة. متسمرة وشفتاها النرجسيتان تراقص الخوف خوفا والفزع فزعا ، والألم ينهش صدرها رويدا رويدا، يقتلها الذل ببطء شديد والحزن يجرحها بشفرة الضيق والشوق والفقد والوحدة اللعينة. متسمرة على قدميها النحيلتين الحافيتين اللتان فقدتا كل طاقتيهما ، فلم تعدا قادرتين على حمل جسد هزيل ، أضمرته الحرب الظالمة التي أوقدتها الشياطين لتنال مآرب لن تنالها ، لا بل ليتسلى أطفالهم برؤية الصواريخ والقنابل تدوي من سماءات حلب في سهولها وعرصاتها، ومدنها وقراها. متسمرة والدمع يغسل وجهها الأبي، الجميل البهي، وعيناها السنجابيتان تراقص الأمكنة، والنفس مخمورة من هول المنظر ، لم يعد للعقل عقل وللأذان سمع وللسان كلمات تنبسها الشفاة.

تركض بأللا وعي إلى ذاك الدمار لتنتشل أشلاءها المترامية في ناحية من الطريق أمها أبيها أخيها، قصفهم جبابرة السياسة بصورايخ الغدر والخيانة والذل والحقد، تصرخ ماذا تقول أمي أبي أخي ، فقدتهم جميعا، رحلوا عنها يحملون شكواهم إلى رب العباد ليزداد الشاكون على ساسة العرب لتكبر نارهم وتحر جهنمهم ، ليزداد لهيبها.
تبكي بكاء الفاقدين ، كيف تبكي لا تعرف كيف تبكي ، أتبكي بعينيها أم تبكي بقلبها أم تبكي بكل جوارحها ، هي لا تعقل شيئا سوى أنها تبكي وتتألم في كل عضو من أعضائها.
تبكي بذل ، تبكي بخوف ، تبكي بقهر ، تبكي بشوق ، تبكي بظلم ، تبكي بتعب ، لانها فقدت كل شيء في الحياة ، الوطن ، السكن ، المأكل ، الملبس ، الراحة ، النوم ، أمها ، أبيها ، أخيها، أصدقائها.
تقعد على الركام تقابل أمها وأبيها وأخيها منتظرة الموت لتلحق ركبهم وحولها أصوات الفجيعة مصحوبة بأصوات الصواريخ تدوي في كل الأمكنة.
تتذكر صدر الحنان الذي كان يضمها حينما تزلزل القنابل وطنهم ، الحضن الذي يحميها من الفزع من الألم من البرد من الحمى من السهر من كل شيء. تتذكر أصوات أمها وأبيها وأخيها ، تتذكر كل شيء حينما كانوا أحياء ، لم تصدق أن الحرب قتلتهم ، تتسأل ماذا فعلوا ليقتلوا؟!
ماذا فعلت لتكون وحيدة في هذا العالم؟!
هي لا تعرف أي شيء سوى أنهم قتلوا والدماء فاضت من أجسادهم لتملأ الأمكنة

 

الأربعاء، 2 مارس 2016

الإختلاف في الفكر



 


الإختلاف سمة تمشي في الأرض منذ خلقت، وستظل كما هي إلى أن يبعث الله الأرض ومن عليها. واتسم الإختلاف في كل شيء في الحياة لتتزن كفتا العقل والعقل ، الروح والروح، الجسد والجسد، بل الجوارح كلها والجوارح، ليختلف الإنسان مع الإنسان نفسه في كثير من الإشياء في الحياة الدنيا، حتى الغيبيات التي لا يدركها الإنسان ولم يخبر عنها سيظل يختلف فيها مع بني جنسه. ليكون الإختلاف مخلوقا يمشي بين بني البشر بكل جوانبه وأنواعه. وحينما تغلغل الإختلاف في الحياة، ظلت تتفتق بالتغير، وليولد الجديد من رحم القديم، والمتغير من رحم المعهود، حتى تنبت الأرض نباتات لم تكن معهودة قبلا، فآتت ثمارها، وتجدد الماء بعد الركود، وهبت نسائم بتياراتها متجددة في عطرها وملمسها ودفئها، لتثرى الحياة بالكم والكيف.

ومازال الإختلاف كما هو يتقفز من زمن لأخر ليملأ كل الأمكنة وكل النفوس لتحركه الجوارح فيعصف محركا الرواكد والثوابت، إما بتجديدها أو بقتلها حتى لا تتنفس أخرى. فالأختلاف الذي تدفعه جارحة العقل، منبثقا من أساس راسخ ورؤية صافية نقية، حتما سيكون إختلافا مثريا، شريطة أن يكون الطرفان على منهاج البحث عن الحقيقة ومحاولة إدراكها بكل السبل النقية، لتهيج بحار العقول التي ولدت وترعرعت على فكرة واحدة لم تنشط العقول على إدراك حقيقتها وتقصيها إلا حينما ولد الإختلاف بينها وحولها. فتتحاور الأطراف المختلفة في ذات الفكرة تحاورا في طاولة العقل وفي جو العقل، والهدف منه محاولة إدراك الحقيقة بخلق الإستفهامات والتساؤلات التي لا تكسر مصابيح العقل ، بل تبعا للنظام العقلي المقبول. حتما حينما تدار جلسات التحاور الفكرية بجارحة العقل في كل نقاط الإختلاف سيستمر التآلف والرضى بين الأطراف وسيتبع الفكر الصحيح المتفق عليه، وأكثر الظن هو الإتفاق عليه. سيثري الإختلاف الفكرة المختلف عليها، حينما يكون الإختلاف وليد اللحظة، أي لم يكن هنالك إختلاف قبلا في تلك الفكرة أبدا، فهذا يعد مجهودا طيبا ومثريا، ليضاف إلى الموسوعة الفكرية.
أما الإختلاف الذي تدفعه جارحة العاطفة هو عادة إختلاف يخلق لتصفية الحسابات في القاموس الجديد، أو للثأر إن صح التعبير، وهذا جليا في معظم مسائل الإختلاف التي تدفع بجارحة العاطفة، لأن المراد هنا ليس الإثراء وإنما غير ذلك، فالعقل وحده يثبت هذه الحقيقة. حينما تثار مسألة فكرية قديمة، الإختلاف فيها أصبح شيخا كبيرا ، لتكثر الأقوال والأراء فيها ، بماذا عساها ستثري الحياة والفكر؟! بلا شيء طبعا.
قمة الخسارة والتخلف حينما تشغل حياة شخص ما فكرة أزلية والإختلاف فيها أزلي وبلغ الشيب فيها ذروته ، ليثير في الوسط الثقافي وكأنها فكرة جديدة، ليهلك نفسه ووقته في سبيل أن يثبت رأيا قد قاله أحد قبله بعشرات السنين، أو مئات السنين، بأي جدوى سيتمخض هذا الإختلاف؟!
بأي فائدة ياترى؟!
لا شيء سوى أن صاحبها بذر وقته وجهده ليقول كلاما قاله الكثيرون قبله بقرون عدة.

إن الإختلاف في الفكر ليس وليد اليوم، بل ولد مع المخلوقات لعيش وسط الأحياء ما عاشوا، حتى يوازن الكفتين، وليولد من رحم الأفكار أفكارا جديدة لتتوالد هي بدورها فتثري الحياة بتعددها وتباينها. والإختلاف سمة بها تبنى الثقافات والأمم، لا لتنهدم بها ، لأن حقيقة الإختلاف هو إزالة الإبهام عن المبهم ليتضح كالشمس في وسط النهار. فالأمم التي تبنت سمة الإختلاف بقوانينه بنت لها حضارة واسعة قوية لها أصل ثابت وفرع ممتد ، فعظمت وكبرت وزخرت ثقافتها وحياتها، لأنها أمة دفعت الإختلاف بعجلة العقل ، هدفها الإثراء وإظهار الحقائق. أما الأمم التي تدفع الأختلاف بعجلة العاطفة هي أمم لا ترقى ولا تتمجد أبدا، لأن جلها أريد بها ضرب الطرف الأخر وبسط النفوذ والتسيد والإعتلاء فقط، وأكثر إختلافاتها في شيء مختلف فيه أساسا ، فأين الإثراء هنا؟!
الأمة التي تستهلك طاقاتها لتثير الإختلاف في أفكار مختلف فيها منذ زمن والإختلاف يثار كل يوم، هي أمة منحطة فاشلة خربت عقولها فلا تقوى على الإبداع وإنما قوت على إثارة المثار فقط.

 

الجمعة، 26 فبراير 2016

العطاء و (فريق واو التطوعي بجامعة نزوى)



 
قد يندهش الواحد منا حينما يرى أسرابا من الطيور تنتظر موعدا لن تنساه مع الشيخ سعيد الذي أكمل الستين خريفا من عمره، موعدا قد يأوله البعض على أنه عاطفي بالدرجة الأولى، والبعض يفسره على أنه موعد لحاجة ثم سرعان ما ينقضي. ولكن الأرواح وحدها من تفهم حجم العلاقة بين الطير والإنسان، في الإئتلاف العظيم الذي يحصل بينهما، ونادرا ما يحدث في الحياة الحاضرة، لأسباب كثيرة يصعب حصرها. في كل صباح وعند كل ظهيرة، يحين موعد اللقاء الذي يجمع بين الشيخ سعيد وسرب الطيور في محلته، ووقت الغروب هو الأخر. الشيخ سعيد قد آسر الطير بكرمه وحسن خلقه، فهو سواءا مع الإنسان وغيره في نبله وعظيم عطاءه. في تلك الأوقات ينثر الشيخ الحب بسخاء عظيم، ليطعم الطير المحلق في سماءات البعد باحثا عن لقمة سائغة تسد رمقه وتقتل جوعه، لترى الأسراب المحلقة تهبط في تلك الساحة التي إعتاد الجميع على الإلتقاء فيها. كل من يشاهد الموقف سيتعجب وسيسأل نفسه لماذا لا تأتينا الطيور كما تأتي للشيخ سعيد، لتتحلق حوله، فتلتقط الحب الذي ينثره عليها بسخاء. لن تكون الإجابة سهلة، لأن ما يجمع الطرفين قبل أن يكون عطاء اللقمة، فهو الحب العظيم الذي تجلى في الخير الذي يسديه الشيخ للأخر، وهذا النبل الكريم، لم يكن لأجل مصلحة دنيوية أرادها الشيخ، بل أمن كل الإيمان أن العلاقة بين المخلوقات علاقة تكاملية، منشأوها الحب ومد اليد للأخر، مما يجعل المخلوقات كسلسلة مترابطة قوية، لتقوى الحياة بهم والمجتمع الحيوي ككل.

قد نرى الحياة برؤية قاصرة حينما نراها من ناحية منزوية، لكن حينما نراها من العلو، حتما سنراها واضحة، وحتى نرى بوضوح علينا أن نسعى نحو العلو بكامل قوانا، فالعلو ليس مقتصرا على أحد دون الأخر. ففي العلو نرى كل الحياة بكامل إحتياجاتها، ستكون نظرتنا الثاقبة هي كيف نمكن للحياة مسارها الصحيح؟!
إندهشنا حينما رأينا إئتلاف الشيخ والطير معا، وقد حافظ الجميع على موعد اللقاء المحتوم، طير وإنسان ياترى كيف يجتمعان مثلا ؟! السر يكمن في سحر القلب وسحر الطبع، وجعل الحياة تكاملية بين المخلوقات كلها، ليس بالضرورة أن تكون مع الإحياء فقط، بل حتى مع الجمادات. فكان عطاء الشيخ الجزيل للطير وبحب العطاء جعل الأخر يحب حضور لحظة العطاء ، لأنها أعطية أريد بها زرع المحبة والسلام واستمرارية الحياة في تكاملها، كل يعمل من جانبه ليتم البناء، وليتم الحصاد، حياة جميلة، ترفرف عصفورة في خمائل الورد جنب سواقي الماء التي تعزف بالحب خريرا، على مقربة من الإنسان المليء بالعطاء.

حينما كان العطاء نافذة كبيرة للسعادة،كان الإنسان لا يتنفس إلا السعادة، فهو خلق لأجل السعادة، التي لابد وأن تنير سماءات الكون. وحينما كان العطاء عظيما بين بني الإنسان، كان الإنسان نفسه يحس بإنسانيته، وبالشبه العظيم والقرب بينه وبين بني جنسه، لأن العطاء كسر كل الحواجز بينهما ليخلق فضاءا رحبا مليئا بالمودة والرحمة والعطف والمحبة، فلم تكن الكبرياء وقسوة القلب والترفع موجودة في حياتهم. وكان الإنسان قريب الحياة من الحيوان، لاسيما أنه يشترك معه حتى في النوم، كل ذلك لأن يد العطاء ممدودة من الإنسان للحيوان، فتكسرت كل الحواجز بينهما، مما جعلهما يأتلفان ليكون الأخر أليفا في بيت الإنسان. فالإنسان مدني بالطبع، وهو في حاجة للإنسان نفسه، وذلك حتى تكتمل الحياة كما أريد أن تكون بين بني البشر والحيوان وكل مخلوقات الكون، فالواجب على الإنسان أن يجعل للعطاء مكانا في حياته ونبراسا ينير طريقه.

اليوم وكلنا نشاهد تطور العطاء ليكون نفسه ولكن بمسمى أخر، فالجميع يتفق عليه أنه العمل التطوعي، وكل هذا يكثر فيه العطاء للحياة كلها بنمط متغير عما كان عليه سابقا، وإن اتفق في الأنماط. يطلق فريق واو التطوعي في جامعة نزوى برنامجه التطوعي الذي يخدم المجتمع ككل، آخذا في ذلك هدف العطاء للمجتمع لرقيه ونمو كوادره كلها. يتبنى هذه المبادرة شباب ناجحون أخذوا على عاتقهم الجهد والمثابرة في خدمة المجتمع باذلين نشاطا قويا نحو تحقيق الهدف. يبذل الشباب قصارى جهودهم في تحقيق الأمال وذلك بدعم المجتمع لهم ماديا ومعنويا، فهم حلقة الوصل بين المجتمع والمجتمع. يقضي أعضاء الفريق جل وقتهم في الإعداد والتحضير لأنشطة الفريق الخيرية، جاعلين نصب أعينهم العطاء للمجتمع هو العطاء الإنساني الذي لا ينضب، فكم من إنسان بات محتاجا لأخيه الإنسان والأخر لا يدري عنه وعن حاجته، فدور الفرق التطوعية أن تكون حلقة وصل بين الإثنين مضحين بأوقاتهم وراحتهم ومالهم، فلنكن عونا لهم ولنمد يد العطاء ليكثر العطاء.

 

 

الأربعاء، 24 فبراير 2016

الحياة



يفيق الإنسان من نومه المحتم عليه، سيرى الحياة كما غادرها قبل نومه، لم يتغير شيء فيها أبدا. الناس مثلما تركهم، المباني لم تتغير، العصافير تزقزق، المياه تنحدر، النسيم يهب، الشمس تشرق ثم تغيب. لم يتغير في الحياة إلا الزمن فقط، فاليوم ليس أمس، فأمس قد مضى ورحل بلا عودة، وأما الحياة فهي الحياة، نكبر وتكبر آمالنا وطموحاتنا، وأما تحقيقها يعتمد كليا على الإيمان والنشاط اللذان نبنيهما كل يوم في كينونتنا، منذ الصغر حتى أخر نفس لنا.

فالحياة فترة زمنية، يقضيها الإنسان كيفما يحب أن يقضيها،وفيما يحب ، أما بدايتها فتختلف من فرد لأخر، وايضا نهايتها، لأنها مستمرة إلى أن يشاء الله.ففي هذه الفترة الزمنية يتسابق الناس في كيفية الإستمتاع فيها ، وكيفية عيشها. فالبعض يوفق في اقتناص فرصها، ونيل ثمارها الطيبة، والبعض عكس ذلك. فحتى نوفق في جني ثمار الحياة الرائعة، علينا أن نجتهد فيها ونتسابق لتحقيق الأهداف، ففي تحقيقها السعادة العارمة، وهي لا تؤتى بسهولة ويسر، بل باجتهاد ونشاط كبيرين.

فالحياة مزرعة مليئة بالكثير، والإنسان فلاح ، فمن أراد أن يزرع مزرعته بكل أصناف الأشجار فعليه أن يجتهد في حراثة الأرض، وزراعتها خطوة خطوة منذ البداية وحتى النهاية، مرورا بكل الفترات والمحطات والمواسم، فلا يمكن أن نجني اليوم ما نزرعه اليوم، بل حتى نجني طيب الثمار غدا علينا أن نجتهد في الزراعة اليوم.

والحياة موسوعة ضخمة من المعرفة منذ الأزل وحتى النهاية، ففي كل دقيقة فرصة للتعلم ونيل المعرفة، وفي كل محطة ، فرصة لإكتساب معلومة وخبرة، سواء من الأشياء حولنا، أم من الأحداث ، أم من تجارب الأخرين وذلك بمجالستهم أو بالقرآءة عنهم. فالحياة مليئة بكل شيء يجعل الإنسان يكتسب الخبرة والمهارة بسهولة ويسر، حتى يستطيع أن يوظف خبرته في سبيل إسعاد نفسه وبني جنسه.

كل ينظر للحياة بنظرة تختلف عن الأخر، وذلك حسب الطبائع، والثقافة والعقول. وعلى غرار ذلك يمهد الإنسان دربه في الحياة ليسير عليه كيفما أراد . فمنهم من يمليء دربه بالورد ، والأخر يملأه بالشوك، والشوك ليس كمثل الورد.فنرى في الحياة الناجحين والسعداء ونرى غيرهم، لا يختلف بني البشر فيما بينهم إلا في درجة استغلال العقل، ودرجة النشاط في الحياة.